الشنقيطي
258
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وعلى هذا القول فالآية كقوله : وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا [ الأعراف : 126 ] الآية ، وقوله : وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [ التوبة : 74 ] ونحو ذلك من الآيات كما تقدّم مستوفى في سورة « براءة » . وقوله في هذه الآية الكريمة : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 ) فيه سؤال معروف ، وهو أن يقال : ما وجه ذكر البكرة والعشيّ ، مع أنّ الجنّة ضياء دائم ولا دليل فيها . وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة : الأوّل - أنّ المراد بالبكرة والعشيّ قدر ذلك من الزّمن ، كقوله : غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ [ سبأ : 12 ] أي قدر شهر . وروي معنى هذا عن ابن عبّاس ، وابن جريج وغيرهما . الجواب الثّاني - أنّ العرب كانت في زمنها ترى أنّ من وجد غداء وعشاء فذلك النّاعم ، فنزلت الآية مرغّبة لهم وإن كان في الجنّة أكثر من ذلك . ويروى هذا عن قتادة ، والحسن ، ويحيى بن أبي كثير . الجواب الثّالث - أنّ العرب تعبّر عن الدّوام بالبكرة والعشيّ ، والمساء والصّباح ، كما يقول الرّجل : أنا عند فلان صباحا ومساء ، وبكرة وعشيّا . يريد الدّيمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين . الجواب الرّابع - أن تكون البكرة هي الوقت الّذي قبل اشتغالهم بلذّاتهم . والعشي : هو الوقت الّذي بعد فراغهم من لذّاتهم ، لأنّه يتخلّلها فترات انتقال من حال إلى حال . وهذا يرجع معناه إلى الجواب الأول . الجواب الخامس - هو ما رواه التّرمذي الحكيم في ( نوادر الأصول ) من حديث أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا : قال رجل : يا رسول اللّه ، هل في الجنّة من ليل ؟ قال : « وما يهيجك على هذا » ؟ قال : سمعت اللّه تعالى يذكر وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 ) فقلت : اللّيل بين البكرة والعشيّ . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس هناك ليل ، إنّما هو ضوء ونور ، يردّ الغدوّ على الرّواح والرّواح على الغدوّ ، تأتيهم طرف الهدايا من اللّه تعالى لمواقيت الصلاة الّتي كانوا يصلّون فيها في الدّنيا ، وتسلّم عليهم الملائكة » انتهى بواسطة نقل صاحب الدّرّ المنثور والقرطبيّ في تفسيره . وقال القرطبيّ بعد أن نقل هذا : وهذا في غاية البيان لمعنى الآية . وقد ذكرناه في كتاب ( التّذكرة ) ثمّ قال : وقال العلماء ليس في الجنّة ليل ولا نهار ، وإنّما هم في نور أبدا ، إنّما يعرفون مقدار اللّيل من النهار بإرخاء الحجب ، وإغلاق الأبواب . ويعرفون مقدار النّهار برفع الحجب ، وفتح الأبواب ؛ ذكره أبو الفرج الجوزي والمهدوي وغيرهما ا ه منه . وهذا الجواب الأخير الّذي ذكره الحكيم التّرمذي عن الحسن وأبي قلابة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم راجع إلى الجواب الأوّل . والعلم عند اللّه تعالى .